محمد متولي الشعراوي
4009
تفسير الشعراوى
وهذا هو معنى كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ ؛ فكل كتاب له زمن محدود وعصر محدود وأمة محدودة ، أما القرآن فهو يواجه من يوم أن أنزله اللّه إلى أن تقوم الساعة قضايا متجددة يضع لها حلولا . والمهم أن القرآن قد جاء على ميعاد مع طموح البشريات ، وحضارتها وارتقاءاتها في العقول ؛ لذلك كان لا بد أن يواجه كل هذه المسائل مواجهة تجعل له السبق دائما ولا يكون ذلك إلا إذا كانت فيه البركة . وكلنا يعلم أن القرآن قد نزل على رجل أمّى ، وفي أمة أميّة ، ولذلك حكمة بالغة لأن معنى « أمّى » أي أنه لم يأخذ علما من البشر ، بل هو كما ولدته أمه ، وجاءت ثقافته وعلمه من السماء . إذن فالأمية فيه شرف وارتقاء بمصادر العلم له . ونزل القرآن في أمة أمية ؛ لأن هذا الدين وتلك التشريعات ، إنما نزلت في هذه الأمة المتبديّة المتنقلة من مكان إلى آخر وليس لها قانون بل يتحكم فيها رب القبيلة فقط ، وحين تنزل إليها هذه القيم الروحية والأحكام التشريعية ففي ذلك الدليل على أن الكتاب الذي يحمل هذه القيم والأحكام قادم من السماء . فلو نزل القرآن على أمة متحضرة لقيل نقلة حضارية ، لكنه نزل على أمة لا تملك قوانين مثل التي كانت تحكم بها الفرس أو الروم . وما دام الكتاب له هذه الأوصاف التي تريح الخلق من عناء التشريع لأنفسهم ويضم كل الخير ، لذلك يأتي الأمر من اللّه : فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( من الآية 155 سورة الأنعام ) وساعة تأتى ب « لعل » فاعلم أن فيها رجاء ، وقد ترجو أنت من واحد وتقول : لعل فلانا يعطيك كذا ، والرجاء هنا من واحد ، ومن يفعل العمل المرجو إنسان آخر ، وقد يفعل الآخر هذا العمل ، وقد يغضب فلا يفعله ؛ لأن الإنسان ابن أغيار ، بل ومن يدرى أنه ساعة يريد أن يفعل فلا يقدر . وإذا قلت : « لعلى أفعل لك كذا » ، وهنا تكون أنت الراجي والمرجوّ في آن واحد ، ولكنك أيضا ابن